بحث مشروعية هيئة غير المسلمين التصديقية للحلال والحرام

بسم الله الرحمن الرحيم
بحث مشروعية هيئة غير المسلمين التصديقية للحلال والحرام
محمد شعيب عالم
المستشار الشرعی لسنہا ((S.A.N.H.A
ما رأي أهل العلم في هيئة يرأسها او یملکھا غير مسلم، وهي تصدق كون المأكول أو المشروب حلالًا أو حرامًا بعد التحقق من الأجزاء المستعملة فيها، هل تعتبر شهادة تلك الهيئة التصديقية شهادة شرعية يعتدّ بها ما دام رئيسها او مؤسسھا لا يدين دين الإسلام؟
هذا ما قصدنا الإجابة عنه في هذا المقال الموجز.
بعد ما أمعنّا النظر في الأدلة الشرعية وجدنا أن مثل الهيئة المذكورة أعلاه مما لايعتبر شهادة مصدرة منها بنسبة أمر الحلال والحرام، ونلخص الوجوه فيما يلي:
الأول: فإن الحكم بأن شيئًا مّا مما يحله الشرع لاستعمال الأجزاء الحلال فيها وأن الانتفاع بها جائز لمسلم، هي شهادة لكونها حلالًا، والشهادة تقتضي الولاية، لأن الشهادة من باب الولاية، ولاولاية لغير المسلم على المسلم، لقوله تعالى:
ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلًا (النساء۱۴۱)
فالآية واضحة في بيان مرماها بأن الله تعالى لم يجعل للكافر شيئًا من الولاية على المسلم ولا يعتبر قوله في حق المسلم كحجة، لأن إعطائه مثل هذه الولاية كجعله يدًا حاكمة على المسلم، وليس لهم ذلك.
قال الإمام القرطبي:
الرابع : إن الله سبحانه لا يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا شرعا ؛ فإن وجد فبخلاف الشرع.
الخامس : ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا أي حجة عقلية ولا شرعيه يستظهرون بها إلا أبطلها ودحضت.
( تفسير القرطبي، سورة النساء ۵/ ۴۲٠ ط: دار عالم الكتاب، رياض)
ونقل الإمام ابن كثير عن السدّي:
وقال السدي: ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا أي: حجة.
( تفسير ابن كثير، سورة النساء ۲/ ۴۳٦ ط: دار طيبة)
الثاني: إن الحلال والحرام مصطلحان شرعيّان، كما أنهما حكمان أساسيّان للشرع، فإن الشرع يجيز استعمال بعض الأشياء فهو حلال، ويمنع البعض الآخر وهو حرام، كأنهما لبّ الدين والشرع، فكيف يعتبر شهادة غير المسلم في مثل هذا الأمر المهم من الدين؟ بالإضافة، إلى أن غير المسلمين لأجل ما يحوزون من القوة والسلطة في زمننا اليوم وما حكي عنهم من الحقد والمكر السيئ ضد المسلمين ، كيف نأمن بأنهم سوف لا يدّعون قيادتهم في هذا الأمر الديني أيضًا بعد أن نسامح عنهم في البداية؟
الثالث: إن أمر الحلال والحرام على أهميته لدقيق المدارك والمآخذ أيضًا، ولا يستأهل لمثل هذا الأمر ولايدرك مدى دقته إلا المسلم، بناءًا على أن من حق الأمر أن يوسّد إلى أهله، كما روي في معناه الحديث.
الرابع: إن أمر الحلال والحرام والطهارة والنجاسة لمن الديانات، ولا يعتدّ بخبر غير المسلم في الديانات، كما صرح بذلك الفقهاء:
( ويقبل قول كافر ) ولو مجوسيا ( قال اشتريت اللحم من كتابي فيحل أو قال ) اشتريته ( من مجوسي فيحرم ) ولا يرده بقول الواحد وأصله أن خبر الكافر مقبول بالإجماع في المعاملات لا في الديانات وعليه يحمل قول الكنز ويقبل قول الكافر في الحل والحرمة يعني الحاصلين في ضمن المعاملات لا مطلق الحل والحرمة كما توهمه الزيلعي ••• ( وشرط العدالة في الديانات ) هي التي بين العبد والرب ( كالخبر عن نجاسة الماء فيتيمم ) ولا يتوضأ ( إن أخبر بها مسلم عدل ) منزجر عما يعتقد حرمته ( ولو عبدا ) أو أمة ( ويتحرى في ) خبر ( الفاسق ) بنجاسة الماء ( و ) خبر ( المستور ثم يعمل بغالب ظنه ولو أراق الماء فتيمم فيما إذا غلب على رأيه صدقه وتوضأ وتيمم فيما إذا غلب ) على رأيه ( كذبه كان أحوط ) وفي الجوهرة وتيممه بعد الوضوء أحوط قلت وأما الكافر إذا غلب صدقه على كذبه فإراقته أحب قهستاني و خلاصة و خانية قلت لكن لو تيمم قبل إراقته لم يجز تيممه بخلاف خبر الفاسق لصلاحيته ملزما في الجملة بخلاف الكافر
و في الرد: قوله ( إن أخبر بها مسلم عدل ) لأن الفاسق متهم والكافر لا يلتزم الحكم فليس له أن يلزم المسلم هداية
( الدر المختار مع رد المحتار، كتاب الحضر و الإباحة ٦/ ۳۴۴ إلى ۳۴٦ ط: سعيد)
أما الديانات فلا يكثر وقوعها حسب وقوع المعاملات فجاز أن يشترط فيها زيادة شرط ، فلا يقبل فيها إلا قول المسلم العدل ؛ لأن الفاسق متهم والكافر لا يلتزم الحكم فليس له أن يلزم المسلم ، بخلاف المعاملات ؛ لأن الكافر لا يمكنه المقام في ديارنا إلا بالمعاملة ولا يتهيأ له المعاملة إلا بعد قبول قوله فيها فكان فيه ضرورة
( الهداية مع فتح القدير، كتاب الكراهية، فصل في الأكل و الشرب ۸/ ۴۴۵ ط: دار إحياء التراث العربي)
الخامس: إن الأمور الدينية لها متطلبات خاصة، منها أنها تقتضي طبيعةً دينيةً وروحًا طيبةً فيمن يقول عنها شيئًا، أويفتي في أمر من أمورها، ولا شكّ أن غير المسلم لايملكهما لاعتناقه دينًا غير دين الإسلام، فكيف نعطيه الخيرة في هذا الأمر الدينيّ الخالص، أمر الحلال والحرام؟
وإن كان الذي أخبره بنجاسة الماء رجل من أهل الذمة لم يقبل قوله لا لأن الكفر ينافي معنى الصدق في خبره ولكن لأنه ظهر منهم السعي في إفساد دين الحق قال الله تعالى لا يألونكم خبالا أي لا يقصرون في إفساد أمركم فكان متهما في هذا الخبر فلا يقبل منه كما لا تقبل شهادة الولد لوالده لمعنى التهمة
( المبسوط للسرخسي، كتاب الاستحسان ۱٠ / ۲۸۲ ط: دار الفكر)
السادس: إن الحلال كماركة خاصة للمسلمين، والمسلمون هم الذين يدعون إلى الحلال والحرام، وهم الذين يطالبون الحلال من الأشياء مطالبة حقيقيةً، فإن فوّض هذا الأمر إلى المسلمين المطالبين لزاد هذا التفويض اطمئنانًا في نفوسهم، وبذلك نرجو نجاح مساعي هذا المشروع: مشروع تصديق الحلال والحرام، وعلى عكس من ذلك، لو يعطى الأمر إلى غير المسلمين عسى المشروع أن يخسر فإن المسلمين لايكادون يطمئنون بقول غير المسلمين، ولا يبعد أن يكون شغف غير المسلمين نحو التدخل في هذه المسائل الدينية الخاصة لأن ينتهي هذا المشروع إلى خسارة وأن يرتفع اعتماد المسلمين عن مثل هذه المؤسسات.
السابع: إن الإسلام كدين لايسمح للكافر الباغي من الله أن یتطور تطورًا اقتصادیًا فنرى أن الإسلام يجيز للكافر الذمي أن ينكح نكاحًا باطلًا من محارمه وأن ينتفع بالخنزير في دار الإسلام، ولكنه لايجيزه أن يعامل بالربا فيها، كما روي أن نصارى نجران قد أُعطوا السكنى مثل سكنى المسلمين في دار الإسلام غير أنهم كانوا غير مسموحين أن يعاملوا بالربا، ولم يكن هذا، فيما نرى، إلا لما قلنا سابقًا بأن الإسلام يرى تضعيف الكافر وتوهينه اقتصاديًا لأن يرجع بهذا الطريق إلى الحق الصراح الذي فيه نفعه ماديًا وروحيًا، وكما لايخفى أن التطور الاقتصادي لدولة في زمننا اليوم يستعمل كسلاح هادف ضروريّ لقهر العدوّ، وما زال غير المسلمين لايألون جهدهم في أن يحصلوا اليد العليا في السوق، وأن يجعلوا المسلمين مضطرين إلى مدّ يدٍ سائلة إليهم، وهذا أيضًا، فيما نرى، من أهدافهم وراء التدخّل في مشروع تصديق الحلال والحرام. ولذلك نرى أن نصدّ عليهم سبيلهم من التدخّل في هذا الأمر لئلا يهجموا علينا بهذه الإستراتيجية الاقتصادية مثل هجماتهم الأخرى من طرق شتى.
فلأجل هذه الوجوه المذكورة، إن أسّس غير المسلم هيئة تصديقية تصدر شهادة الحلال والحرام، لايعتبر بشهادتها في حق المسلم أصلًا.
وينبغي أن نجيب عما يمكن أن يخطر ببال أحد، بأن الاجتناب عن الحلال والحرام حكم عام شامل لغير المسلم أيضًا كشموله المسلم، فإن القرآن الكريم خاطب بخطاب عام حيث قال: أيها الناس، وهو يجمع جنس الإنسان بكافة أنواعه، فإن كان غير المسلم أيضًا مخاطب بمثل هذا الحكم، وهو يريد أن يؤسس هيئة بناءًا على هذا الحكم العام، يستحق الإجازة أيضًا. ولكن الإشكال باطل، لأجل الفرق بين أكل الحلال وبين تصديق الشيئ حلالًا، فكما أن الإسلام يأمر بأكل الحلال كذلك يأمر بالعدل في القضاء كحكم عام عالمي، ولكن الإسلام يلزم معتنقيه بأن يحضروا لأمر القضاء بين يدي قاضٍ مسلم يقضي بالقرآن والسنة ويمنعهم من تولية غير المسلم عليهم في أمر القضاء. وعلاوة على ذلك، فإن غير المسلم، على رأي مختار، مخاطب بالعقائد، وليس بمخاطب في الأحكام الفرعية، وأمر الحلال والحرام من النوع الثاني. فلو نعتبر غير المسلم مستحقًا لتصديق الحلال والحرام ليلزمنا أن نعتبرهم مستحقين لأمور أخر فرعية كذلك، مثل الصلوة والصيام وغيرها وأن نجيز إمامتهم للصلوة أيضًا، إذ لا فرق بين أمر الحلال والحرام وبين الصلوة في كونهما من الأمور الفرعية، ولم يرو جواز ذلك عن أحد أئمة الأمة.
هذا وصلى الله تعالى وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.